هذا كتاب مهم جداً، ويعدّ نقلة في الكتب التي تتناول موضوع الوالديّة الواعية. يستعرض الكتاب الأدوات الخمس لمنهجية “التنشئة عبر التواصل”، والتي طورتها مؤسسة هاند إن هاند عبر السنوات الثلاثين من عملها مع آلاف الأسر حول العالم.

الكتاب سهل القراءة حتى لأولئك غير البارعين باللغة الإنجليزية. يقدّم كل قسم منه شرحاً لإحدى الأدوات الخمس مع الكثير من الأمثلة. فإذا لم يكن لديكم الوقت الكافي لقراءة الكتاب من الغلاف إلى الغلاف، يمكنكم المباشرة بقراءة الجزء الثالث الذي يضم أكثر من 100 مثال واقعي، تم تجميعها من آباء وأمهات يمارسون هذه المنهجية، واختبروا الأدوات الخمس بنجاح في التعامل مع التحديات اليومية الشائعة، بما في ذلك التحضير الصباحي للمدرسة، والالتزام بالوقت، واتمام الفروض المدرسية، والمساعدة في أعمال المنزل اليومية، وتقليل الوقت المهدور أمام الشاشات والأجهزة المحمولة.

الرائع في هذا الكتاب أنه، وبالرغم من تقديمه حلولاً عملية للتحديات اليومية التي نواجهها جميعاً كمربين، يقدّم في الوقت نفسه منظوراً جديداً حول دوافع هذه السلوكيات، فيعطي المربي القارئ فهماً جديداً مبنياً على آخر ما توصل له العلم الحديث من نظريات في علوم الدماغ والعلاقات البشرية. يمثل الكتاب ثورة على المفاهيم التربوية القديمة التي تنشغل بالسيطرة على السلوكيات، فيركز بالمقام الأول على بناء صلات متينة وعميقة بين الأبناء ووالديهم، عبر تلبية الاحتياج النفسي الأهم لدى الأطفال، ألا وهو التواصل والإشباع العاطفي.

يقدّم الكتاب للمربين مفاتيح تساعدهم على التعرف على المخاوف والتوترات التي يعاني منها الأطفال والتي قد تكون السبب في السلوكيات التي يظهرونها، ويوضّح لهم سبل التعامل معها، فيساعدهم بذلك على رؤية أبنائهم بعين المحبة، واكتساب طرق جديدة لدعمهم وإرشادهم لأن يكونوا أفراداً متوازنين وإيجابيين، يتمتعون بالثقة والصلابة الداخلية.

تدعو المنهجية المطروحة في الكتاب إلى إعادة البهجة لعلاقاتنا الأسرية. والتجارب المذكورة فيه تدل على نحو قاطع على إمكانية أن تكون التنشئة متجردة من السيطرة والعنف والتهديد والوعيد، في دعوة لإعادة الاعتبار لدور المربي كقدوة ومرشد، وليس كرقيب.

ويزخر الكتاب بأفكار جديدة كلياً، يمكن اختصار أهمها في النقاط الخمس التالية:

1.   يرغب أطفالنا بالتعاون معنا لو استطاعوا

غيرت علوم الدماغ الحديثة الكثير من قواعد التربية، وأعادت النظر في طريقة فهم علاقاتنا كبشر. لذلك فإن امتلاك بعض المعارف الأساسية عن هذه العلوم يعدّ أمراً ضرورياً وملحاً بالنسبة للمربين، كونها تساعدهم على بناء علاقة عميقة مع أبنائهم بمجرد تغيير بعض المفاهيم. يشرح الكتاب طريقة عمل الدماغ البشري وخاصة ذلك الجزء المعنيّ بالمشاعر في الدماغ الذي يدعى “النظام الحوفي”، والذي يحتاج بشكل مستمر إلى ضمان وجود ارتباط مع مقدم رعاية مُحِب وآمن. عندما يتحقق هذا الارتباط بين الطفل ومقدّم رعايته، ويطمئن دماغ الطفل، عندها فقط يمكن تحفيز الجزء العلوي من دماغ الطفل وهو المسؤول عن التفكير، والحكم الجيد على الأمور، والتحكم بمخارج الحروف، واكتساب اللغة، والتعلم، والتحكم بالنفس وعدم الاندفاع.يشير الكتاب إلى أنّ العدوانية، أو العناد، أو العصبية، أو عدم القدرة على التعاون، هي مجرد أمثلة على الإشارات التي يرسلها لنا أبناؤنا ليخبرونا بأنهم بحاجة للعودة إلى المسار الصحيح وإلى التواصل معنا. يشبّه الكتاب هذه الحالة بحالة “الطوارئ العاطفية”، فتقول المؤلفة:  “إنهم (أطفالكم) ليسوا سيئين، وهم لا يحاولون إغاظتكم او اختبار صبركم، بل هم في حالة “طوارئ عاطفية” وبحاجة للشعور بالتواصل معكم حتى يمكنهم العودة إلى المدار الآمن”.

هذه المعلومة مفيدة جداً للمربين فهي تساعدهم على توجيه طاقتهم بالشكل الصحيح، وبدلاً من الانخراط في حوار عقلاني مع أبنائهم المنفعلين ومحاولة إقناعهم بتعديل سلكوهم، فإن كل ما عليهم عمله هو منحهم الحب والحنان في هذه اللحظات. ويعطي الكتاب أمثلة كثيرة على كيفية تطبيق ذلك بشكل عملي

 2.   بدلاً من العقاب يمكنكم العمل مع أطفالكم كفريق

عندما تخرج سلوكيات أطفالنا عن المسار، ويبدؤون بإرسال الاشارات الدالة على انقطاع الاتصال معنا، يأتي دورنا كمرشدين وموجهين. العقاب أو الصراخ أو إرسالهم للوقت المستقطع لا يفيد، وكذلك إلقاء المحاضرات ومحاولات الإقناع، كل ذلك لا يجدي وهم في حالة انفعال. الحب والدفء هو ما يجب علينا التركيز عليه في هذه الحالة.قد يخيف هذا الأمر الكثير من الآباء والأمهات، ويجعلهم يتساءلون: “ألا يعني أننا بهذه الطريقة نكافئ السلوك السلبي؟”، أو يعتقدون أن منهجية التنشئة عبر التواصل تدعو إلى ترك الأطفال من غير أية ضوابط. ولكن ذلك غير صحيح، فنحن كمربين نتحمل مسؤولية العناية بأطفالنا وإرشادهم ووضع الضوابط لهم، لكن الفرق يكمن في الطريقة. إذ يدعو الكتاب إلى وضع الضوابط برفق ولين، من خلال فهم أوسع للسلوك الانفعالي، والحاجة الإنسانية للحب والإشباع العاطفي، ومن خلال النظر لأطفالنا بعين المحبة. وهي زاوية مختلفة جداً عن زاوية المدارس التي تركز على العقاب أو التخويف أو التجاهل أو الترغيب.الكتاب يقدم لنا أمثلة كثيرة ومفصّلة تساعد على الاستجابة لأطفالنا عندما يبدأ سلوكهم بالخروج عن المسار، عن طريق تقديم الدفء والاتصال.

3. التواصل هو العصا السحرية 

عندما نستجيب لسلوك أطفالنا بمحبة، وعن طريق التواصل بالنظرات، أو عبر اللمسات اللطيفة والاحتضان، والفُكاهة والضوابط الحازمة، سيبدأ أطفالنا عادةً بالتعافي العاطفي، وسيطلقون العنان لمشاعر غامرة.السر هو أننا يجب أن نتعلم الاسترخاء والاستماع إليهم في هذه اللحظات، وحتى ينتهوا من عملية التعافي العاطفي التي يمرون بها.إذا استطاع المربون البقاء والاستماع لمشاعر أطفالهم من غير انفعال، فإنهم يلاحظون فرقاً حقيقياً في سلوكهم بعد ذلك. دعم الأطفال والتعاطف معهم في هذه اللحظات، يعلمهم مبادئ الانضباط الذاتي. عندما يجدوننا هادئين وحاضرين لهم، فإنهم يطمئنون لتفريغ التوترات المتراكمة، والتي هي جزء لا يمكن تجنبه من الحياة. والأهم أننا بذلك نعطيهم المثال الحي والقدوة الواقعية لنهج الهدوء الذي يجب أن نتعامل به مع توترات الحياة، فيتعلمون منا ضبط النفس في المواقف الصعبة وهذا أمر لا يمكن لأي عقوبة أو تهديد أو كلام أن يعلمهم إياه.

 4.   الوقت الخاص مع أبنائكم هو كالفيتامينات التي تحصنهم

يمكن لوقتنا أن يكون أكبر هدية نقدمها لأبنائنا. إنه أداتنا للتواصل الفعّال معهم. وهو الذي يؤسس لعلاقة الثقة التي تساعدنا وتساعدهم في تجاوز أية تحديات في المستقبل. إن المنهجية التي تقترحها مؤسسة هاند إن هاند في هذا الكتاب تغدو فعّالة أكثر عند استخدام الأدوات الخمس معاً. لكن لأداة “الوقت الخاص” سحر خاص يمكن للمربين أن يتلمّسوه ويستشعروا نتائجه الفورية.يستفيد الأطفال من الفترات البسيطة التي نمنحهم فيها اهتمامنا وتركيزنا الكامل من دون انقطاع، مهما كانت فترات قصيرة، وينعكس ذلك على سلوكهم فورياً.يقدم الكتاب “الوقت الخاص” بطريقة مختلفة قليلاً عما تعودنا عليه. إذ ينصح بتخصيص أي وقت تستطيعون تخصيصه (من 3 دقائق إلى ساعة). أخبروا أطفالكم بذلك، واظهروا استعداداكم للاستجابة لأي شيء يرغبون بفعله، واتركوا لهم حرية قيادة وقتهم الخاص. ومع أن الكتاب ينصح بتخصيص هذا الوقت بشكل يومي إلا أنه يمكن أن يكون متقطعاً، متى ما توفر لكم الوقت واعتماداً على ظروف كل عائلة. فالهدف هو أن تملأوا أكوابهم بالحب والاهتمام.

 5.   ونحن كذلك، كآباء وأمهات، نحتاج إلى الدعم النفسي

يعرف المربّون كم هي صعبة مهنة التنشئة، وكيف يمكن أن تكون مُربكة ومتطلبة في معظم الأحيان. وما يجعلها أصعب هو أننا نكون مثقلين أيضاً بمسؤوليات اجتماعية ووظيفية أخرى. للأسف لا يتم التعامل مع مهنة الوالدية كعمل منتج في المجتمعات الحديثة، ولا تعرّف به الأنظمة الاقتصادية الحديثة كنشاط اقتصادي مهم. كل ذلك يسبب شعوراً لدى المربين بالوحدة والانعزال، ويجعلهم يرزحون تحت ضغوط كبيرة. لذلك فإن جزءاً أساسياً من المنهجية المطروحة في هذا الكتاب، تركز على تقديم الدعم للمربين.ومثلما تدعونا هذه المنهجية إلى تعلم طرائق ندعم من خلالها أطفالنا ونشبعهم عاطفياً ونفسياً كي يتحسن سلوكهم وتزداد قدرتهم على التعاون معنا، فإنه يفرد مساحة كبيرة ليستعرض طرائق يمكن للمربين من خلالها إفراغ كؤوسهم الممتلئة وإيجاد متنفس لهم ولمشاعرهم وتوترهم، وبذلك يصبحون أكثر صبراً وحكمة وأقدر على التحكم في ردود أفعالهم، ما يتيح لهم أن يستمتعوا أكثر بتنشئة أطفالهم، وتزيد فرصهم ليصبحوا الأم أو الأب الذي يرغبون حقاً بأن يكونوه، ولأن يبنوا الأسرة المتماسكة التي نطمح جميعنا إليها.

غنيّ عن القول إن الوالدية عمل لا يقدر بثمن، يجب أن نتعامل معه بالجدية والاحترافية اللازمة حتى نستطيع دعم عائلاتنا بالشكل الذي نتمناه.

يمكن لهذا الكتاب، ولهذه المنهجية أن تساعدنا على تجاوز الأيام الصعبة وتوجهنا لأيام أفضل في المستقبل.

يمكنكم الحصول على الكتاب من خلال هذا الرابط.

كما يمكن الاستماع إلى عينة من الكتاب الصوتي هنا.

نقيم في تنشئة حلقات دراسية لاستيعاب أفكار هذا الكتاب وورشات عمل للإمساك بناصية هذه المهارات. للمزيد من المعلومات وللاشتراك في حلقتنا الدراسية المقبلة، يرجى الضغط هنا.

Subscribe to our Newsletter

Stay up-to-date with our news and our events calendar. We'll also keep you informed about the latest research into parenting and child-led approaches.

You have Successfully Subscribed!